Saturday February 28th, 2026
Download the app
Copied

الأدعية الدينية و التوزيع الموسيقي : كيف أصبحت "مولاي" جزء من الذاكرة

من الصوت وحده إلى التوزيع الموسيقي، تحكي هذه المقالة قصة «مولاي يا مولاي» وكيف أصبح ابتهال الشيخ سيد النقشبندي علامة لا تنفصل عن روح رمضان في مصر.

Scene Noise

الأدعية الدينية و التوزيع الموسيقي : كيف أصبحت "مولاي" جزء من الذاكرة


بدأت الابتهالات والتواشيح كفن قائم بالكامل على الصوت والكلمة، من دون أي مصاحبة موسيقية. كان الشيخ أو المبتهل هو الأداة الوحيدة التي تحمل الدعاء وتشكّل اللحن، معتمدًا على المقام والإحساس والارتجال، في تجربة روحانية خالصة لا تحتاج إلى وسائط إضافية. 

ولم يكن غياب الموسيقى مجرد تقليد تقني، بل كان خيارًا جماليًا وروحيًا، يهدف إلى الحفاظ على الخشوع والتركيز على النص والدعاء، مع تأثير طبعاً للجدل الفقهي المتعلق بتحريم الموسيقى، دون أن يكون هو العامل الوحيد.


وتعود جذور الابتهال والتواشيح إلى الأندلس، حيث نشأت كفن شعري غنائي له قواعده الخاصة، قبل أن تنتقل إلى المشرق وتترسّخ في مصر خلال العصر الفاطمي، لتصبح أحد أشكال التعبير الروحي الأساسية في الطقوس والاحتفالات الدينية، حيث امتزج الشعر بالغناء والدعاء، وصنع حالة من الجلال والشجن.


مع انطلاق الإذاعة المصرية في الثلاثينيات، ثم اتساع انتشارها الجماهيري خلال الأربعينيات، خرج الابتهال من نطاق المساجد والمجالس الصوفية إلى الفضاء المنزلي، لتصل أصوات المبتهلين إلى قطاعات واسعة من المجتمع المصري. وبوصفها الإذاعة الأوسع انتشارًا في العالم العربي آنذاك، نجحت في ربط الابتهالات بالحياة اليومية، وتحويل صوت المبتهل إلى عنصر مألوف ارتبط بروح شهر رمضان والذاكرة السمعية الجماعية للمصريين.

ومع انطلاق إذاعة القرآن الكريم في ستينيات القرن الماضي، اتسع الفضاء الإذاعي ليشمل أشكالًا أخرى من المحتوى الديني إلى جانب تلاوة القرآن الكريم، وكانت الابتهالات والإنشاد الديني من أبرز هذه الأشكال التي وجدت مساحة جماهيرية منتظمة، وأسهمت في ترسيخ حضورها بوصفها لونًا صوتيًا قائمًا بذاته داخل المشهد الإذاعي

في هذه الأجواء، برز الشيخ سيد النقشبندي كأحد أهم وأشهر المبتهلين في مصر والعالم العربي، مستفيدًا من الانتشار الواسع للإذاعة المصرية التي حملت صوته إلى ملايين المستمعين. امتلك النقشبندي صوتًا عميقًا ومتفردًا، قادرًا بمفرده على خلق حالة من الخشوع والتأثير الروحي، من دون حاجة إلى أي مصاحبة موسيقية. ومع التكرار المستمر لبث ابتهالاته، أصبح صوته مألوفًا في البيوت المصرية، وترسّخت مكانته كرمز أساسي لفن الابتهال، قبل أن يدخل هذا الفن لاحقًا مرحلة جديدة مع دخول التوزيع الموسيقي.




الشيخ سيد النقشبندى, يا رب ان عظمت ذنوبى كثرة
نوادر الشيخ سيد النقشبندى فيديو ابتهال نادر من مسجد السيدة زينب 1964 : احمد عبده ومدارس التلاوة


مع اتساع رقعة الاستماع عبر الإذاعة، واجه الابتهال واقعًا جديدًا لم يكن مألوفًا من قبل. فالجمهور لم يعد محصورًا في دوائر صوفية تعرف قواعد هذا الفن وتستوعب امتداداته الارتجالية، بل أصبح جمهورًا عامًا بمرجعيات وذائقة سمعية مختلفة. في هذا السياق، بدأ التوزيع الموسيقي يظهر كحل فني ينظّم زمن الأداء، ويمنح اللحن وضوحًا أكبر، ويعزز الأثر الشعوري للنص، من دون أن ينتقص من قدسية الصوت أو يطغى عليه. هذا التطور أتاح للابتهالات أن تعبر بسلاسة إلى المجال الجماهيري، وأن تتحول من ممارسة روحية محدودة إلى صوت ديني حاضر في الحياة اليومية


خلال السبعينيات، شهدت الابتهالات المصرية تحولًا مهمًا مع لقاء الشيخ سيد النقشبندي بالملحن الأشهر في تلك الفترة بليغ حمدي، بأمر مباشر من الرئيس أنور السادات الذي كان من أكبر محبي الشيخ. انعقد الاجتماع في الاستوديو، وأسفر عن إنتاج واحد من أشهر الابتهالات الدينية، وهو ابتهال “مولاي يا مولاي” الذي يجمع بين التراث الصوتي والإبداع الموسيقي المدروس.

مولاي إني ببابك قد بسطت يدي بالكلمات للشيخ النقشبندى ( ابتهالات دينية )

تحوّل ابتهال “مولاي يا مولاي” مع إذاعته المتكررة عبر الإذاعة المصرية إلى صوت ملازم لليالي رمضان، فصار حاضرًا في البيوت والشوارع، ومتصلاً مباشرة بأجواء الشهر الكريم. وبمرور الوقت، لم يعد مجرد ابتهال محبوب، بل أصبح جزءًا من الذاكرة السمعية للمصريين وعلامة موسيقية يصعب فصلها عن الإحساس الجمعي بروح رمضان. 

حكاية أغنية - 6 مولاي إني ببابك

×

Be the first to know

Download

The SceneNow App
×